قد يظن البعض أن الهِبَة تثبت للموهوب له بمجرد نطق الواهب بها، إلا أن ذلك لا يكون صحيحًا بمجمله، فهبة العقار الثابت لا تثبت كهِبة المنقول، وبعد النظر في مواد نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/191 وتاريخ 29/11/1444هـ، فقد جاءت الهِبَة وأحكامها في الفصل الثالث من القسم الثاني (العقود المسماة)، وأوضحت في موادها أن الهِبَة عقد يُملِّكُ بمقتضاه الواهبُ حال حياته الموهوب له مالًا دون عوض، وهُنا يقع البعض في الخطأ بين ما يكون هِبَة بعوض أو دونه، فالهِبَة مع اشتراط العوض لا تكون هِبَةً بمعناها الصحيح الكامل، بل تكون مُعاوَضة، وللمعاوضة باب آخر وتفصيل آخر لن أتطرق له في هذا المقال.
وقد نظَمت المواد أنه في حال كانت الهِبَة عقارًا فلا تثبت إلا بتوثيقها، وتوثيقها يعني إفراغ الواهب الموهوب للموهوب له، وتكون إجراءات الإفراغ (هِبَةً) لا البيع، إذ أن البيع يترتب عليه التزامات عدة مثل ضريبة التصرفات العقارية، أما إذا كان العقار منقولًا فالحال هُنا مُختلف، وذلك بأنه يُمكن إثبات الهِبَة فيه إما عن طريق القبض أو التوثيق.
وأكثر ما يدور في ذهن المتسائل عن أحكام الهِبَة هو: هل يُمكن هِبَةُ المرهون؟ فبطبيعة حالة المرهون أن مالكه مُقيَد في التصرف به، ويلزم أخذ الإذن من المُرتَهِن قبل التصرف، وبذلك ننتهي إلى أنه لا يمكن هِبَة المرهون دون شرط وقيد كما قرر أهل العلم.
كما هو الحال عندما يشترط الواهب من الموهوب له التزامًا معينًا على الموهوب، فإن الموهوب له مُلزمٌ بأداء ما اشترطه الواهِب، سواء أكان بالفعل أو عدمه، كعدم البيع أو عدم التصرف في الموهوب حتى أجل مُحدد، أو التزامه ببدء عمل معين كتشغيل العقار لجمعية خيرية خلال مدة مُحددة وفي حال لم يلتزم الموهوب له بذلك الشرط يحق للواهب الرجوع عن هذه الهِبَة.
وبالحديث عن الرجوع في الهِبَة، فإن للواهب الرجوع عن هِبَتِه بإحدى الحالتين، إما أن تكون برضى وموافقة الموهوب له، أو أن يكون طلب الرجوع قضاءً عند عدم رضى وموافقة الموهوب له، ولذلك كُلِه أحكام حددتها المادة السادسة والسبعون بعد الثلاثمائة من نظام المعاملات المدنية المُشار له آنفًا، فإما أن تكون الهِبَة من أحد الوالدين لولده ويطلب الرجوع عن هِبَتِه لوجود مسوِغ لذلك، أو أن يجعل الواهِب لنفسه حق الرجوع عنها في حالات حددها عند هِبَتِه ويكون غرضه من تلك الحالات غرضًا مشروعًا، لا أن يكون كالتهرب من تنفيذ التزام معين (كما يجري أحيانًا عند علم الواهب أنه سيتم مطالبته تنفيذًا بسداد مبلغ في ذمته فيقوم الآخر بإفراغ العقارات التي يملكها هِبَةً، أو هِبَة المال الذي يملكه لأشخاص آخرين للتهرب من التنفيذ عليها والوفاء بقيمة السند التنفيذي)، وأخيرًا كما ذكرت سابقًا في مثال تشغيل العقار بأن يكون لغرض محدد ومهلة محددة لالتزام الموهوب له بذلك، وإن أخل بها الموهوب له فيجوز للواهب رد الموهوب والرجوع عما وهَبَه، وأخيرًا فإن جميع ذلك يسقط بموت أحد طرفي العقد قبل الرجوع فيه.
آخرًا، فإنني عندما أتأمل مثل هذه المسائل أجد أنها بحر لا يمكن حصره، فلكل هِبَةٍ مُجرَياتُها وأحداثُها التي آلت بِها لتُصبِح هِبَةً وعقد بين طرفين، وأن نظام المعاملات أضاف على القواعد التي يصعب على البعض فِهْمُهَا واستيعابها كُلَ ذلك، فقد حلَ بعدَ الله العديد من الإشكالات التي كانت تقع سابقًا وتخلوا وقائعها من النقاط، وأصبح من يقرأ في مسألة من مسائِلِه قارئًا لِنِقاطِه، واعٍ لا يشوبُهُ في فِهمِهِ شائبةً.
المحامية أروى بنت عبدالعزيز الغامدي

